ولو لم يكن هذا الحديث دالاً على
الخلافة لم تحاول الايدي الاثيمة حذف هاتين الكلمتين (
وصيي وخليفتي فيكم )
من الحديث. فقد ورد هذا الحديث في تفسير الطبري في ذيل الآية (
وأنْذِر عَشِيرَتَكَ الاَقرَبِينَ ) من سورة الشعراء
وحذف منه هذه القطعة في الموردين وجعل بدله كذا وكذا : ففي المورد الاول ( على ان
يكون اخي وكذا وكذا.... ) وفي المورد الثاني : « ان هذا اخي وكذا وكذا فاسمعوا له
واطيعوا » مع انه ورد على ما ذكرناه في تاريخ الطبري وهو نفسه صاحب التفسير ! قطع
الله يد الخيانة عن التراث الاسلامي.
ومثل ذلك
وقع في البداية والنهاية لابن كثير على ما حكاه العلامة الاميني في الغدير 2 : 288
وقد نسب الاميني رحمه الله التحريف الى الطبري وابن كثير ، الأول في تفسيره والثاني
في تاريخه وتفسيره ولكن لا يبعد ان يكون التحريف من صنع الطابعين والناسخين والمؤلف
كان بامكانه ان لا يذكر الحديث من اصله فمن البعيد ان يكون تبعة التحريف
عليه.
2 ـ حديث المنزلة : «
انت مني بمنزلة
هارون من موسى إلاَّ انّه لا نبي بعدي ». ولا تختص هذه الجملة بغزوة تبوك حيث
استخلف رسول الله صلّى الله عليه وآله عليا عليه السلام فى المدينة حتى يتوهم ان
هذه الجملة تعني هذا الاستخلاف فحسب ولا يشمل الخلافة على الامة بعده بل قالها
الرسول صلّى الله عليه وآله في موارد متعددة كما في المراجعات « المراجعة 32 »
والحديث من المتواترات القطعيات التي لا يمكن لمسلم انكارها وقد رواه جميع ارباب
المجامع والسنن بما فيها الصحيحان. راجع للاطلاع على مصادره الكثيرة وخصوصاً في غير
غزوة تبوك التعليق 475 الى 484. على المراجعات...
(1) هذا مع ان الرسول صلّى الله عليه وآله كان يستخلف على
المدينة غير علي عليه السلام في كل
____________
2 : 22 ، السيرة النبوية للحلبي الشافعي 1 : 311 ـ 312 ، كنز العمّال
للمتّقي الحنفي 6 : 397 ، مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري الشافعي 3 : 133 ،
الدر المنثور للسيوطي الشافعي 5 : 97 ، مسند أحمد بن حنبل 1 : 111 ، البداية
والنهاية لابن كثير 3 : 39 ، تاريخ أبو الفداء 1 : 119 ، شواهد التنزيل للحسكاني 1
: 485 ح514 و580 ، ترجمة الاِمام علي ابن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر
الشافعي 1 : 97 ـ 105 ح133 ـ 140 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 13 :
210 و244.
(1) رواه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبيّ ، باب مناقب عليّ من
صحيحه 5 : 89 ح 202 ، ومسلم من كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عليّ 4 : 1870 ح 30
ـ 32 بعدّة طرق ، الترمذي في سننه 5 : 640 و641 ح 3730 و3731 ، ابن ماجه في سننه 1
: 42 ح 115 وص 45 ح 121 ، أحمد بن حنبل في مسنده 1 : 170 و 177 و 179 و 182 و 184
و185 وج 3 : 32 بعدّة طرق ، علاء الدين بن بلبان في الاِحسان بترتيب صحيح ابن حبّان
9 : 40 و 41 ح 6887 و 6888 ، الحميدي في مسنده 1 : 38 ح 71 ، ابن أبي حاتم الرازي
في علل الحديث 2 : 389 ح 2680.
( 14 )غزوة ولم
يقل لاحد منهم هذه الجملة. مع ان استثناء النبوة يدل على ان كل نسبة بين هارون
وموسى تخص الولاية هي موجودة بين النبي صلّى الله عليه وآله واميرالمؤمنين عليه
السلام الا النبوة ولا شك ان من تلك المنازل ولاية هارون عليه السلام على الناس في
غياب موسى عليه السلام ولا فرق في ذلك بين حياته وموته فان هذه ولاية مجعولة من
الله تعالى حيث ان موسى عليه السلام طلب من ربه ان يشركه في امره ومن امره الولاية
على الناس وقال تعالى (
قد اوتيت سؤلك يا موسى
).
وقد ورد في حديث صححه الذهبي على ما في
المراجعات ( المراجعة 26 ) بعد قوله «
أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا
نبي بعدي » قوله : «
انه لا ينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي » وهذه
الجملة عامة تشمل ما بعد وفاته صلّى الله عليه وآله.
وللمزيد من التفصيل في البحث عن مفاد الحديث وقوة دلالته
راجع الكتب الكثيرة الموضوعة في الامامة كالغدير والمراجعات وغيرهما فغرضنا هنا
الاستعراض فحسب.
3 ـ حديث الغدير : «
من كنت
مولاه فهذا علي مولاه »
(1). وهو بهذا اللفظ من اوضح مصاديق الحديث
المتواتر القطعي. وقد كثر الحديث حول هذا الحديث والف في جمع اسانيده الكتب قديماً
وحديثاً ولعل اوّل من الف فيه كما في موسوعة الغدير للعلامة الاميني رحمه الله هو
ابو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 210 هجرية صاحب التفسير والتاريخ
المعروفين وهو من اكابر علماء العامة حيث الف كتاب «
الولاية في طرق حديث الغدير
». قال الذهبي في طبقاته 2 : 254 : « لما بلغ محمد بن جرير ان ابن ابي داود
تكلم في حديث غدير خم عمل كتاب الفضائل وتكلم في تصحيح الحديث ».
ثم قال : قلت : رأيت مجلداً من طرق الحديث لابن جرير
فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق ».
____________
(1) روى هذا الحديث أحمد بن حنبل من أربعين طريقاً ، وابن جرير الطبري من
نيف وسبعين طريقاً ، والجزري المقرىء من ثمانين طريقاً ، وأبو سعيد السجستاني من
مائة وعشرين طريقاً ، والحافظ أبو بكر الجعابي من مائة وخمس وعشرين طريقاً ،
والحافظ أبو العلاء العطّار الهمداني بمائتين وخمسين طريقاً.
ورواه الترمذي في سننه 5 : 633 ح 3713 وقال : هذا حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ ، ابن ماجه في سننه 1 : 45 ح 121 ، الحاكم في المستدرك 3 : 109 و 134 و
371 و 533 بعدّة طرق ، البغوي في مصابيح السُنّة 4 : 172 ح 4767 ، أحمد بن حنبل في
مسنده 1 : 84 و 119 و152 و331 ، وج4 : 368 و 370 و 372 و 381 ، وج5 : 347 و 358
و361 و 366 و 419 ، الدولابي في الذريّة الطاهرة : 168 ح 228 ، الشجري في أماليه 1
: 145 و 146 بعدّة طرق ، القاضي عياض في الشفاء 1 : 468 ، علاء الدين ابن بلبان في
الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 9 : 42 ح 6891 ، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5 :
474 ، وج 7 : 377 وج 8 : 290 و ج 12 : 344 وج 14 : 236 بعدّة طرق ، ابن عساكر في
ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق 1 : 395 ـ 417 ، ح 457 ـ 491
، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 17 و 104 ـ 108 و 120 و 164 بأكثر من ثمانية
وعشرين طريقاً.
( 15 ) وقال ابن كثير في تاريخه 11 : 146 في ترجمة الطبري : «
اني رأيت له كتاباً جمع فيه احاديث غدير خم في مجلدين ضخمين » ونسبه إليه ابن حجر
في تهذيب التهذيب 7 : 337 ( راجع الغدير 1 : 152 ).
وقد اغنانا العلامة الاميني رحمه الله وكفانا مؤونة البحث
عن طرق هذا الحديث ومصادره فقد الف في ذلك موسوعته الضخمة ـ التي لم تتم ـ في احد
عشر مجلداً جمع فيها طرقه وأسانيده ومن احتج به أو كلَّم فيه أو قال فيه شعراً.
ولكثرة النصوص المنقولة في هذا الحديث يحتار الانسان فيما يختاره من نص فآثرنا أن
ننقل النص الذي صدره الاميني رحمه الله به كتابه وهو نص جامع بين مختلف النصوص الا
أنا اكملنا أبيات حسان بن ثابت في الأخير.
واليك
النص :
« أجمع رسول الله صلّى الله عليه وآله
الخروج إلى الحج في سنة عشرة من مهاجره ، وأذّن في الناس بذلك ، فقدم المدينة خلق
كثير يأتمون به في حجّته تلك التي يُقال عليها حجّة الوداع وحجّة الاسلام وحجة
البلاغ وحجّة الكمال وحجّة التمام ، ولم يحجّ غيرها منذ هاجر إلى أن توفاه الله
فخرج صلّى الله عليه وآله من المدينة مغتسلاً متدهِّناً مُترجِّلاً متجرداً في
ثوبين صحاريين إزار ورداء ، وذلك يوم السبت لخمس ليال أو ست بقين من ذي القعدة ،
وأخرج معه نساءه كلهم في الهوادج ، وسار معه أهل بيته ، وعامّة المهاجرين والأنصار
، ومن شاء الله من قبائل العرب وأفناء الناس.
وعند خروجه صلّى الله عليه وآله أصاب الناس بالمدينة جدري ( بضم الجيم وفتح الدال
وبفتحهما ) أو حصبة منعت كثيراً من الناس من الحج معه صلّى الله عليه وآله ، ومع
ذلك كان معه جموعٌ لا يعلمها إلاّ الله تعالى ، وقد يقال : خرج معه تسعون ألف ،
ويقال : مائة ألف وأربعة عشر ألفاً ، وقيل : مائة ألف وعشرون ألفاً ، وقيل : مائة
ألف واربعة وعشرون ألفاً ، ويقال أكثر من ذلك ، وهذه عدّة من خرج معه ، وأمّا الذين
حجّوا معه فأكثر من ذلك كالمقيمين بمكة والذين أتوا من اليمن مع عليّ ( أمير
المؤمنين ) وأبي موسى
(1).
أصبح صلّى
الله عليه وآله يوم الأحد بيلملم ، ثمّ راح فتعشّى بشرف السيالة ، وصلّى هناك
المغرب والعشاء ، ثمّ صلّى الصبح بعرق الظبية ، ثمّ نزل الروحاء ، ثمّ سار من
الروحاء فصلّى العصر بالمنصرف ، وصلّى المغرب والعشاء بالمتعشّى وتعشّى به ، وصلّى
الصبح بالأثابة ، وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج واحتجم
____________
(1) السيرة الحلبية 3 : 283 ، سيرة أحمد زيني دحلان 3 : 3 ،
تذكرة الخواص : 18 ، دائرة المعارف لفريد وجدي 3 : 542.
( 16 )بلحى جمل
« وهو عقبة الجحفة » ونزل السقياء يوم الأربعاء ، وأصبح بالأبواء ، وصلّى هناك ثمّ
راح من الأبواء ونزل يوم الجمعة الجحفة ، ومنها إلى قديد وسبت فيه ، وكان يوم الأحد
بعسفان ، ثمّ سار فلمّا كان بالغميم إعترض المشاة فصفّوا فشكوا إليه المشي ، فقال :
استعينوا بالسلان « مشيٌ سريعٌ دون العدو » ففعلوا فوجدوا لذلك راحة ، وكان يوم
الاثنين بمرّ الظهران فلم يبرح حتى أمسى وغربت له الشمس بسرف فلم يصلّ المغرب حتى
دخل مكّة ، ولمّا انتهى إلى الثنيَّتين بات بينهما فدخل مكة نهار الثلاثاء »
(1).
فلما قضى مناسكه وانصرف راجعاً
إلى المدينة ومعه من كان من الجموع المذكورات ووصل إلى غدير خمّ من الجحفة التي
تتشعّب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين ، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي
الحجة نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله : (
يَا
أيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) الآية ،
وأمره أن يقيم علياً علماً للناس ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على
كلّ أحد ، وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة فأمر رسول الله أن يردّ من تقدّم منهم
ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان ونهى عن سمرات خمس متقاربات دوحات عظام أن لا
ينزل تحتهن أحد حتى إذا أخذ القوم منازلهم فقمّ ما تحتهنّ حتى إذا نودي بالصلاة
صلاة الظهر عمد إليهنَّ فصلّى بالناس تحتهنّ ، وكان يوماً هاجراً يضع الرجل بعض
رداءه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء ، وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة
سمرة من الشمس ، فلمّا انصرف صلّى الله عليه وآله من صلاته قام خطيباً وسط القوم
على أقتاب الابل وأسمع الجميع ، رافعاً عقيرته فقال :
الحمد لله نستعينه ونؤمن به ، ونتوكل عليه ، ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا ، ومن سيّئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضلَّ ولا مضلَّ لمن هدى
وأشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً عبده ورسوله ـ أمّا بعد ـ : ايها الناس قد
نبأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمر نبي إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله ، واني اوشك أن
اُدعى فأجيب ، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون ، فما أنتم قائلون ، قالوا : نشهد أنّك قد
بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً ، قال : ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله ،
وأنّ محمداً عبده ورسوله ، وأنّ جنته حقّ وناره حقّ وأنّ الموت حقّ وأنّ الساعة
آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور ، قالوا : بلى نشهد بذلك ، قال :
اللهم اشهد ، ثمّ قال : ايها الناس ألا تسمعون ؟ قالوا : نعم ، قال : فاني فرَط على
الحوض ، وأنتم واردون عليَّ الحوض ، وإنَّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد
النجوم من فضة فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين.
فنادى مناد : وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال : الثقل الأكبر كتاب الله طرفٌ بيد
الله عزّ وجلّ وطرف
____________
(1) الامتاع
للمقريزي : 513 ـ 517.
( 17 )بأيديكم
فتمسّكوا به لا تضلّوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبّأني انهما لن
يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض فسألت ذلك لهما ربي ، فلا تقدّموهما فتهلكوا ، ولا
تقصروا عنهما فتهلكوا ، ثمّ أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم
أجمعون ، فقال : ايها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : الله
ورسوله أعلم ، قال : إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم
فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، يقولها ثلاث مرّات ، وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة : أربع
مرّات ثمّ قال : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبه ، وأبغض من
أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلغ
الشاهد الغائب ، ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله : (
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمُ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي ) الآية ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : الله أكبر
على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي ، والولاية لعليّ من بعدي »
ثمّ طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممن هنّأه في مقدّم الصحابة :
الشيخان أبو بكر وعمر كلّ يقول : « بخ بخ لك ، يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت
مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة »
(1) وقال ابن عبّاس : وجبت والله في
أعناق القوم ، فقال حسّان : إئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهن ،
فقال : قل على بركة الله ، فقام حسان فقال : يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي
بشهادةٍ من رسول الله في الولاية ماضية ، ثمّ قال :
| يناديهم يـوم الـغـدير نبـيـّهم |
* |
بخـمّ واسـمـع بالرسول مناديا |
| وقـال فـمـن مـولاكم ووليّكم |
* |
فقالوا ولم يبدوا هناك تـعـاديـا |
| إلهك مـولانـا وأنـت وليـّـنا |
* |
ولن تجدن منّا لك اليوم عاصـيا |
| فقال له قم يا عليّ فـإنـّـنـي |
* |
رضيتك من بعدي إمـاماً وهاديا |
| فخصّ بها دون الـبـريـّة كلّها |
* |
عليّاً وسـمّاه الغدير أخـائـيــا |
| فمن كنت مولاه فهذا ولـيـّــه |
* |
فكـونـوا لـه أتباع صدق مواليا |
| هناك دعـا اللـّـهـمّ وال وليّه |
* |
وكن للّـذي عـادى مـعـاديـا |
|
واما
دلالة الحديث على نصب علي عليه السلام للخلافة فواضحة بملاحظة ما صدر الرسول الكريم
صلّى الله عليه وآله كلامه هذا حيث قال : ألستم تعلمون ( او تشهدون ) أني اولى
بالمؤمنين من انفسهم ؟! قالوا : بلى. فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه. فبين بذلك ان
المراد بالمولى من هو اولى
____________
(1)
مسند أحمد : 4|281 ، فضائل أحمد : 111 ، 164 ، مصنّف ابن أبي شيبة : 12|78|1267 ،
تاريخ بغداد : 8|290 ، البداية والنهاية : 5|210 ، مناقب الخوارزمي : 94 ، كفاية
الطالب : 62 ، فرائد السمطين : 1|38 ، 71.
( 18 )بالمؤمنين
من انفسهم. واما تأويل المولى بالمحبّ والناصر فلا يناسبه هذه المقدمة التي ذكرها
الرسول صلّى الله عليه وآله مع ان القرينة الحالية القطعية ايضاً تثبت ذلك فان توقف
الرسول صلّى الله عليه وآله في ذلك المكان وفي ذلك الحر الهجير وجمع الناس وانتظار
المتخلف واسترجاع المتقدم لا يكون إلاّ لاعلام امر مهم جداً وكيف يحمل هذا الكلام
على بيان امر واضح فان نصرة علي عليه السلام للاسلام والمسلمين لم يكن امراً خافياً
على احد حيث قام عليه السلام بهذا الامر من اول البعثة الشريفة ومواقفه لا تكاد
تخفى على الاجانب فكيف بالمسلمين انفسهم ؟!.
ولذلك فقد احتج هو عليه السلام بهذا الحديث يوم الرحبة ايام خلافته وناشد اصحاب
الرسول صلّى الله عليه وآله وهم قلة يومئذ فقام ثلاثون صحابياً فشهدوا بذلك وتعجب
ابو الطفيل كيف كان ذلك واجمع الناس على دفع الخلافة عنه فراجع زيد بن ارقم قال زيد
فما تنكر ؟! قد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقوله له.
قال ابو الطفيل قلت لزيد سمعته من رسول الله صلّى الله
عليه وآله فقال : « وانه ما كان في الدوحات احد إلاَّ رآه بعينيه وسمعه باذنيه ».
وقد روى هذه المناشدة جمع كثير من الحفاظ
(1).
فهل كان الامام عليه السلام يحتج على الناس بالحديث
لاعلام انه ناصر المسلمين ومحبهم ؟! وهل كان احد منهم يرتاب في ذلك ؟! ولماذا تعجب
ابو الطفيل فهل في هذا عجب ؟! ولكنه كما قال الكميت رحمه الله :
ويوم الدوح دوح غدير خم * ابان له الخلافة لو اطيعـا
ولـكـن الرجـال
تبايعوها * فلم ار مثلها خطراً مبيعـاً
ولم ار مثل ذاك اليوم يوماً * ولم أر
مثله حقـاً اضيعـا
راجع لملاحظة
تفصيل الاستدلال بالحديث المذكور كتاب الغدير للعلامة الاميني رحمه الله والمراجعات
للامام شرف الدين ففيهما الغنى والكفاية وغرضنا هنا الاختصار باستعراض النصوص
فحسب.
4 ـ «
انت ولي كل مؤمن بعدي ». وقد
ورد هذا النص بعبارات مختلفة وفي مواطن مختلفة فمنها ما بهذا النص عن ابن عباس.
ومنها ما في رواية عمران بن حصين بعد ما اشتكى جمع من الصحابة علياً الى الرسول
صلّى الله عليه وآله حيث قال والغضب يبصر في وجهه : «
ما تريدون من علي ان عليا
مني وانا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي » ومنها ما في قصة اخرى من حديث بريدة :
«
لا تقع في علي فانه مني وانا منه ____________
(1) مسند أحمد 5 : 498 ح 18815 ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 113 ح 93 ،
السنن الكبرى 5 : 134 ح 8478.
( 19 )وهو
وليكم بعدي وانه مني وانا منه وهو وليكم بعدي » ( هكذا مكرراً ) وفي لفظ آخر. «
من كنت وليه فعلى وليه ». وفي آخر عن بريدة « غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة
فلما قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وآله ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول
الله يتغير فقال : يا بريدة ألست اولى بالمؤمنين من انفسهم قلت : بلى يا رسول الله
قال : من كنت مولاه فعلي مولاه » الى غير ذلك
(1).
ولا شك ان المراد بالولي هو المتولي لامور الناس والحاكم
عليهم دون الناصر والمحب ونحو ذلك فان قوله « بعدي » اما ان يريد به بعده زمانا و
نعلم أن نصرة الامام وحبه للمسلمين لم يختص بما بعد الرسول صلّى الله عليه وآله بل
كان ناصراً للمسلمين ومحباً لهم في عهد الرسالة المجيدة بكامله بل يمكن ان يقال ان
نصرته لهم كانت منحصرة في ذلك العهد فقد اعتزل الامور بعد وفاة الرسول صلّى الله
عليه وآله زهاء ثلاثين سنة. واما ان يريد بالبعدية من حيث الرتبة فولايته متأخرة
رتبة عن ولاية الرسول صلّى الله عليه وآله وهذه قرينة واضحة على ان المراد بها ما
هو من سنخ ولاية الرسول صلّى الله عليه وآله وهي كونه اولى بالمؤمنين من انفسهم كما
وقع التصريح بذلك في احد النصوص كما مر ذكره. هذا مع ان الولاية بمعنى النصرة
والمحبة لا يختص بها علي عليه السلام بل المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض كما
في الكتاب العزيز فالولاية الخاصة به التي امتدحه بها الرسول صلّى الله عليه وآله
وجعله وجه عدم جواز معارضته في هذه النصوص هي الولاية بمعنى الاولوية
والحكومة.
وهناك كثير من النصوص المتفرقة التي
تدل بتواترها الاجمالي على نص الرسول بخلافة علي عليه السلام مثبتة في المجامع
الروائية من اراد الوقوف عليها فليراجع المراجعات للامام شرف الدين او الغدير
للعلامة الاميني او سائر الكتب المؤلفة لهذا الشأن.
واما اخبار الامامية واحتجاج الائمة عليهم السلام فاوضح
من الشمس والنص على خلافته عليه السلام واحد عشر اماماً من ولده من ضروريات المذهب
وواضحاته والكتب في ذلك كثيرة منها كتاب كفاية الأثر للخزّاز الرازي ، والالفين
للعلامة الحلي ، وغاية المرام والإنصاف للسيد هاشم البحرانى ، وبحار الأنوار ( ج 36
) ، واثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للحر العاملي رحمه الله ، وجامع الأثر للسيد
حسن آل طه ، و....
____________
(1) المعجم
الكبير : 12 | 99 ضمن ح 12593 ، البداية والنهاية : المجلّد 4 ج 7 | 345 ، مجمع
الزوائد : 9 | 120 ، منحة المعبود : 2 | 178 ح 2652.
( 20 )
الشورى عند علماء الامامية واما الشواهد التي تشبث بها الكاتب في ص 19 لاثبات «
ان
تراثهم ( الامامية ) يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الاعظم واهل البيت بمبدأ
الشورى وحق الامة في انتخاب ائمتها » فهي :
1 ـ
تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى ـ وهو من أبرز علماء الشيعة في القرن الخامس
الهجري ـ إنّ العباس بن عبد المطلب خاطب أمير المؤمنين في مرض النبي صلّى الله عليه
وآله أن يسأله عن القائم بالأمر بعده « فإن كان لنا بيَّنه وإن كان لغيرنا وصّى بنا
» ، وإن أمير المؤمنين قال : « دخلنا على رسول الله صلّى الله عليه وآله حين ثقل ،
فقلنا : يا رسول الله... استخلف علينا ، فقال : لا ، إنّي أخاف أن تتفرقوا عنه كما
تفرقت بنو إسرائيل عن هارون ، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً اختار لكم
».
أقول : التمسك بهذه الرواية
واسنادها الى الشيعة والى كتاب الشافي للشريف المرتضى يدل على سوء سريرة الرجل وانه
ليس كاتبا حراً بل كاتب اجير فهذه رواية يتمسك بها خصوم الشيعة والشريف ذكرها في
عداد ما تمسك به الخصم لردّ وجود نصّ على امير المؤمنين عليه السلام وردّه الشريف
المرتضى رحمه الله قال في ص151 من الجزء الثاني ط طهران
(1) : «
قال صاحب الكتاب ( اي قاضي القضاة المعتزلي ) حكاية عن ابي هاشم
: وكيف جاز ان يقول له العباس ورسول الله صلّى الله عليه وآله عليل : سله عن هذا
الامر فان كان لنا بيّنه وان كان لغيرنا وصّى بنا.... ».
واجاب عنه في ص152 : «
اما سؤال
العباس رضي الله عنه عن بيان الامر من بعده فهو خبر واحد غير مقطوع عليه ومذهبنا في
اخبار الآحاد التي لا تكون متضمنة لما يعترض على الأدلة والاَخبار المتواترة
المقطوع عليها معروف فكيف بما يعترض ما ذكرناه من اخبار الآحاد ؟ فمن جعل هذا الخبر
المروي عن العباس دافعاً لما تذهب إليه الشيعة من النصّ الذي قد دلّلنا على صحّته ،
وبيّنا استفاضة الرواية به فقد أبعد. على أنّ الخبر إذا سلّمناه وصحّت الرواية به
غير دافع للنصّ ، ولا منافٍ له لاَنّ سؤاله رحمه الله يحتمل أن يكون عن حصول الأمر
لهم وثبوته في أيديهم ، لا عن استحقاقه ووجوبه ، يجري ذلك مجرى رجل نحل بعض أقاربه
نحلاً وأفرده بعطية بعد وفاته ، ثمّ حضرته الوفاة فقد يجوز لصاحب النحلة أن يقول له
أترى ما نحلتنيه وافردتني به يحصل لي من بعدك ، ويصير إلى يدي أم يحال بيني وبينه
ويمنع من وصوله إليَّ ورثتك ، ولا يكون هذا السؤال دليلاً على شكّه في الاستحقاق ،
بل يكون دالاً على شكّه في حصول الشيء الموهوب له إلى قبضته والذي يبيّن صحّة
تأويلنا ، وبطلان ما توهّموه قول النبيّ صلّى الله عليه وآله في جواب العبّاس على
ما وردت به الرواية : ____________
(1) الارقام هنا تختلف عما ذكره الكاتب في الهامش وما ذكره خطأ.
( 21 )( انكم المقهورون ) ، وفي رواية اُخرى : ( انكم المظلومون
).
وقال في ص91 من الجزء الثالث في
كلام طويل نقله عن كتاب المغني ( لقاضي القضاة ) يبدأ من ص90 وينتهي في 96 : «
والمروي عن العباس انه خاطب اميرالمؤمنين عليه السلام في
مرض النبي صلّى الله عليه وآله ان يسأله عن القائم بالامر بعده وانه امتنع من ذلك
خوفاً ان يصرفه عن اهل بيته فلا يعود اليهم ابداً.... ».
واجاب عنه الشريف في ص101 بقوله : «
فامّا الخبر الذي رواه عن العباس رضى الله عنه من انه قال
اميرالمؤمنين عليه السلام : لوسألت النبي صلّى الله عليه وآله عن القائم بالامر
بعده فقد تقدم في كتابنا الكلام عليه وبيّنا انه لو كان صحيحاً لم يدل على بطلان
النص فلا وجه لا عادة ما قلناه فيه ».
وما ذكره الشريف رحمه الله جواب للكاتب ايضاً وهو ان هذا الخبر لو فرض صحة سنده ـ
ولا سند له ـ فلا يقاوم هذه الاخبار المتواترة القطعية المتضمنة لنص الرسول الاكرم
صلّى الله عليه وآله على اميرالمؤمنين عليه السلام. هذا مع ان تشكيك العباس في النص
لا يدل على عدم وجود النص كما جاء في التأويل الذي ذكره الشريف.
هذا بالنسبة الى صدر الرواية التي جاء بها الكاتب واما ما
ذيّله به من ان اميرالمؤمنين عليه السلام قال دخلنا على رسول الله.... الى آخره
فهذا ايضاً خبر آخر نقله في كتاب الشافي قبل هذا الخبر عن الخصم اي كتاب المغني
ورده الشريف ايضاً بقوله فى ص101 : « وبعد فبازاء هذين الخبرين اللذين رواهما في ان
اميرالمؤمنين عليه السلام لم يوص كما لم يوص رسول الله صلّى الله عليه وآله الاخبار
التي ترويها الشيعة من جهات عدة وطرق مختلفة المتضمنة لانه عليه السلام وصّى الى
الحسن ابنه واشار اليه واستخلفه وارشد الى طاعته من بعده وهي اكثر من ان نعدّها
ونوردها » ثم ذكر بعض ما روي في هذا الباب.
وهذه
ايضاً من مراوغات الكاتب حيث ينسب ما يرويه الشريف عن خصمه ـ ليرد عليه بعد ذلك الى
نفس الشريف وكأنه اعتمد على هذه الرواية واستند اليها!!!
2 ـ «
ويقول الكليني في الكافي
نقلاً عن الإمام جعفر بن محمد الصادق إنّه لما حضرت رسول الله صلّى الله عليه وآله
الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنين فقال للعباس : يا عم محمد... تأخذ
تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته ؟ فرد عليه فقال : يا رسول الله بأبي واُمّي إني
شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وأنت تباري الريح ، قال : فأطرق هنيهة
ثمّ قال : يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه ؟ فقال كردّ كلامه...
قال : أما إنّي سأعطيها من يأخذها بحقها ، ثمّ قال : يا علي ، يا أخا
( 22 )محمد ، أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه ؟ فقال : نعم بأبي
واُمّي ذاك عليّ ولي (1).
وهذه الوصية
كما هو ملاحظ ، وصية عادية شخصية آنية ، لا علاقة لها بالسياسة والإمامة والخلافة
الدينية وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبد المطلب فأشفق منها وتحمّلها
الإمام أمير المؤمنين طواعية » (2).
الرواية مع ضعفها سنداً بسهل بن زياد الآدمى لا تدل على
شيء مما يرومه الكاتب فهل اثبات وصية كهذه من رسول الله صلّى الله عليه وآله ينفي
نصبه للخلافة ؟! وهل في هذه الرواية جملة تدل على انحصار وصيته صلّى الله عليه وآله
لعلي عليه السلام في ذلك ؟! كلا ولكن الغريق يتشبث بكل حشيش وكم اتعب نفسه هذا
الرجل ليؤيد مزعمته هذه أن اهل البيت عليهم السلام لم يؤمنوا بالنص بل آمنوا
بالشورى فلم يجد الا رواية ضعيفة تدل على ان هناك وصية اخرى للرسول صلّى الله عليه
وآله فاراد بذكرها ان يوهم للقارئ أن ائمة الشيعة لا يدعون ايصاء بالخلافة وانما
يدعون ايصاءً بهذه الامور. ولكن كيف يمكن الاستدلال بهذه الرواية على انحصار
الوصاية في ذلك ؟! ولو فرض دلالتها فهل تقاوم هذه الرواية عشرات الروايات
المتواترات القطعيات التي ملأت كتب الشيعة مما صرح فيها بخلافته عليه السلام بل
تجاوزتها فملأت كتب العامة ايضاً ؟!
3 ـ « وهناك وصية اخرى ينقلها الشيخ المفيد في بعض كتبه عن الإمام أمير
المؤمنين عليه السلام ويقول إن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد أوصى بها إليه قبل
وفاته ، وهي أيضاً وصية أخلاقية روحية عامة وتتعلّق بالنظر في الوقوف والصدقات
» (3).
وهذه ايضاً
كسابقتها وان لم اجدها في الامالي والارشاد ولكنها مهما كانت فانها على فرض الصحة
لا تنفي الاستخلاف ولا تعارض الروايات الدالة على خلافته عليه السلام ولو عارضت
ايضاً لم يكن لها خطر كما هو واضح ولكن الكاتب يرقص فرحاً فقد وجد في هذه الروايات
الثلاث ضالته وهو يدعي ان تراث الشيعة يحفل بنصوص تؤكد التزام اهل البيت بمبدأ
الشورى !!! فتراه يقول :
« واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة
الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول الله
للامام علي بالخلافة والامامة وترك الامر شورى... »
(4).
وقد القينا النظرة بل تأملنا بجد
فرأينا الاحاديث لا تدل على ذلك ولا يتوهم منها الدلالة أصلاً بل
____________
(1) الكافي 1 : 236.
(2 ـ 4)
تطور الفكر... ص 20.
( 23 )وجدناك
كاذبا تنسب الحديث الى الشافي وهو لم يذكره الا نقلاً عن الخصم ليردّه.
احجام الامام عن اخذ البيعة لنفسه ثم قال : « وهو ما يفسرّ احجام
الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول بالرغم من الحاح
العباس بن عبدالمطلب عليه بذلك حيث قال له امدد يدك ابايعك وآتيك بهذا الشيخ من
قريش ( يعنى ابا سفيان ) فيقال ان عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك من
قريش احد والناس تبع لقريش فرفض الامام علي ذلك » (1).
أقول : التاريخ يقول لنا ان الامام كان مشتغلا
بتجهيز الرسول صلّى الله عليه وآله حينما اجتمعت الانصار في السقيفة ثم حضر ابو بكر
وعمر وابو عبيدة فمنعوهم من التبايع وساعدهم على ذلك ضغائن الاوس والخزرج كما
اسلفناه وتم الامر لابي بكر فهذه البادرة التي اظهرها العباس ـ لو صحت الرواية ـ
انما كان بعد مؤامرة السقيفة وتمامية الامر لابي بكر ومن الطبيعي ان يرفض الامام
(ع) كل اقتراح من هذا القبيل بعد ان بقي منفردا لا يمكنه الصولة إلا بيد جذاء
ونتيجته ان لا يبقى موحد ابداً ولا يسمع صوت الشهادة على المآذن.
هذا مع انه عليه السلام لم يكن بحاجة الى اخذ البيعة
لنفسه فقد بايعه المسلمون يوم الغدير بما فيهم ابوبكر وعمر ووجوه الصحابة وقال له
عمر : بخ بخ لك يا ابا الحسن اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ـ أو كل مسلم ـ على اختلاف
الروايات ، وقد رواه جمع كثير من الحفاظ واصحاب السنن جمعهم العلامة الاميني رحمه
الله في كتاب الغدير حيث قال : وخصوص حديث تهنئة الشيخين رواه من ائمة الحديث
والتفسير والتاريخ من رجال السنة كثير لا يستهان بعدتهم بين راوٍ مرسلا له ارسال
المسلّم وبين راوٍ اياه بمسانيد صحاح برجال ثقات تنتهي الى غير واحد من الصحابة
كابن عباس وابي هريرة والبراء بن عازب وزيد بن ارقم....
ثم عد ستين حافظاً من اهل السنة رووه في مصنفاتهم منهم
ابن ابي شيبة المتوفى 235 في المصنف والامام احمد في سنده وابن جرير الطبري في
تفسيره والحافظ الشهير الدار قطني في سننه والثعلبي في تفسيره والخطيب البغدادي في
تاريخه والغزالي في سر العالمين والشهرستاني في الملل والنحل والخوارزمي في مناقبه
وابن الجوزى في مناقبه ايضاً والامام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير وابن
الاثير في اسد الغابة وسبط ابن الجوزي في تذكرته وابن كثير في البداية والنهاية
وغيرهم الى
____________
(1) تطور الفكر... ص
20.
( 24 )تمام
الستين
(1).
ومن الغريب جداً ان رسول
الله صلّى الله عليه وآله نصب خيمة في المكان واجلس فيها عليا عليه السلام كما في
بعض هذه المصادر وامر الناس ووجوه الصحابة رجالا ونساءً حتى امهات المؤمنين على ما
في بعضها ايضاً ـ كما نقله في الغدير ـ ان يبايعوا عليا ثم يقال انه اراد بذلك
اعلامهم انه ناصرهم وان عليهم ان يحبّوه ويوالوه !!!
شعور الامام بالاولوية والاحقية وفي ص21 : « وبالرغم من شعور
الامام علي بالأحقّية والأولوية في الخلافة ، إلاّ أنّه عاد فبايع أبا بكر ، وذلك
عندما حدثت الردّة ، حيث مشى إليه عثمان بن عفان فقال له : « يا ابن عم ، إنّه لا
يخرج أحد إلى قتال هؤلاء وأنت لم تبايع » ( المرتضى ، الشافي ، ج3 ص 242 ) فأرسل
إلى أبي بكر أن يأتيه فأتاه أبو بكر فقال له : « والله ما نفسنا عليك ما ساق الله
إليك من فضل وخير ، ولكنّا كنّا نظنّ أن لنا في هذا الأمر نصيباً استبدّ به علينا »
، وخاطب المسلمين قائلاً : « إنّه لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألاّ أكون عارفاً
بحقّه ، ولكنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر نصيباً استبدّ به علينا » ثمّ بايع أبا
بكر ، فقال المسلمون : اصبت واحسنت ».
يروي الكاتب هاتين الروايتين عن المرتضى في الشافي وكأنه هو الراوي لها مع انه
رواها ضمن مجموعة من الروايات في نفس القضية عن البلاذري وقد قال فيه : « وحاله في
الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروف »
(2). وغرض الشريف من نقل هذه الروايات اثبات ان بيعته عليه السلام لم
تكن بطيب خاطر وتأييد لخلافة ابي بكر ولذلك قال في ذيل الحديث المذكور : « ومن تأمل
هذا الخبر وما جرى مجراه علم كيف وقعت الحال في البيعة وما الداعي اليها ولو كانت
الحال سليمة والنيات صافية والتهمة مرتفعة لما منع عمر ابا بكر ان يصير الى
اميرالمؤمنين عليه السلام وحده » وهذا امر ورد في الخبر المذكور ولم ينقله الكاتب
لانه ينافي غرضه الذي يتوخاه من نقل الحديثين المذكورين. صدر الرواية هكذا : عن
عائشة قالت : « لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة
____________
(1) للاطلاع راجع الغدير 1 :
270.
وانظر : مسند أحمد بن حنبل : 4|281 ، وذكره
عن أحمد في كنز العمّال : 6|397 ، فضائل أحمد : 111 ، 164 ، مصنّف ابن أبي شيبة :
12|78|1267 ، تاريخ بغداد : 8|290 ، البداية والنهاية : 5|210 ، مناقب الخوارزمي :
94 ، كفاية الطالب : 62 ، فرائد السمطين : 1|38 ، 71. الرياض النضرة : 2|169 ،
وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل : 109 ( مخطوط ).
(2) الشافي 3 : 240.
( 25 )اشهر فلما
ماتت ضرع (!) الى صلح ابي بكر فأرسل اليه ان يأتيه فقال عمر : لا تأته وحدك قال
وماذا يصنعون بي.... ».
ثم يفسر الكاتب ما نفث به
صدر الامام عليه السلام طيلة ايام خلافته من شكاوى عما صنع به القوم بعد وفاة
الرسول صلّى الله عليه وآله فيقول : « ولا شك ان تمنع
الامام علي من المسارعة إلى بيعة أبي بكر كان بسبب أنّه كان يرى نفسه أولى وأحقّ
بالخلافة وهو كذلك ، أو كان يرى ضرورة مشاركته في الشورى وعدم جواز الاستبداد بها
دونه ، وقد سأله رجل من بني أسد : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به ؟
فقال : يا أخا بني أسد... أما الاستبداد بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدّ
برسول الله صلّى الله عليه وآله نوطاً ، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم وسخت
عنها نفوس آخرين ».
ينقل الكاتب هنا
بعض الاخبار والخطب مما يوهم انه عليه السلام انما كان يرى نفسه احق بالخلافة من
جهة الفضل والعلم والجهاد ولا يدعي نصاً على نفسه وانما كان يؤمن بالشورى كمبدأ
لتعيين الخليفة ولذلك بايع ابابكر فلنلاحظ الاخبار والخطب :
1 ـ خطبة 162 من نهج البلاغة وهي التي نقلناها آنفاً عن
الكاتب. وقد قال الامام بعد الجملة المذكورة « والحكم الله والمعود اليه يوم
القيامة... » ولنتأمل الخطبة هل معنى العبارة ان الامام يؤمن بالشورى كمبدأ لتعيين
الخليفة ؟ فلو صح ذلك فلماذا يشكو الامام المتقمصين للخلافة ؟ وما ذنبهم اذا كان
الناس اختاروهم للقيادة ؟ أليس الواجب عليهم القيام باعبائها اذا اختارتهم الامة
فلماذا يعبر الامام عنها بالاثرة. والأثرة : الشيء يؤخذ ممن هو حق له او نفس الأخذ
من دون استحقاق ، وفي الفائق انه الاستئثار بالفيء وغيره. وفي الحديث عن النبي صلّى
الله عليه وآله قوله للانصار : « انكم ستلقون بعدي اثرة
فاصبروا ». واعتقاد الامام انه احق بالخلافة واصلح لها حسب نظرية الشورى
لا يعني الا ان الاولى للناس ان يختاروه اماماً فان لم يفعلوا فلا شيء عليهم ولا
على الذي يختارونه وليست هنا خلافة مغتصبه او وضع في غير محله فان محله هو الذي
يختاره الناس سواء اصابوا الاصلح ام اخطأوا بل لا يجب عليهم ان يتحروا الاصلح
فلماذا هذه الشكاوى وممن ؟ ولماذا التعبير بان نفوساً شحت عليها وبخلت بها لو لم
يكن له عليه السلام حق ثابت ؟ ولماذا يهددهم بان الحكم الله واليه يوم القيامة
؟
ثم يتابع الكاتب فيروي الخطبة الشقشقية متقطعة
ونحن نرويها كاملة ليتضح الامر :
« أما والله لقد تقمصها فلان ( وفي نسخة ابن ابي قحافة ) وإنّه
ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا. ينحدر عنّي السّيل ، ولا يرقى إليّ
الطّير ، فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً. وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء
، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصّغير ،
( 26 )ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه!
فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ،
وفي الحلق شجاً ، أرى تراثي نهباً ، حتّى مضى الأوّل لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان (
وفي نسخة ابن الخطاب ) بعده. ثم تمثل بقول الاعشى :
شتّان ما يومي على كورها * ويوم حيّــان أخي جابــر
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد
وفاته ـ لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ! ـ فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها
، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم وإن
أسلس لها تقحّم ، فمني النّاس ـ لعمر الله ـ بخبط وشماسٍ. وتلوّن واعتراض ، فصبرت
على طول المدّة. وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي
أحدهم. فيالله وللشورى ! متى اعترض الرّيب في مع الأول منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه
النّظائر ! لكنّى أسففت إذ أسفوا. وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال
الآخر لصهره ، مع هنٍ وهنٍ ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه ، بين نثيله
ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، إلى أن
انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته !
فما راعني إلاّ والناس كعرف الضّبع إلي ، ينثالون علي من
كل جانبٍ ، حتى لقد وطىء الحسنان ، وشقّ عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم. فلمّا
نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون : كأنّهم لم يسمعوا الله سبحانه
يقول : « تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فساداً ،
والعاقبة للمتقين » بلى ! والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حليت الدّنيا في
أعينهم ، وراقهم زبرجها !
أما والّذي فلق الحبّة
، وبرأ النّسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود النّاصر ، وما أخذ الله
على العلماء ألاّ يقاروا على كظّة ظالم. ولا سغب مظلومٍ ، لالقيت حبلها على غاربها
، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنزٍ !
(1)
ونستعرض الآن
العبارات التي وردت في هذه الخطبة وتدل على انه عليه السلام يرفض الشورى ولا يرى
لغيره حقا بالخلافة لا بشورى ولا بغيرها ويعتقدانه حق غصب منه :
1 ـ تقمصها... اي لبسها ولا يحق له ذلك... ولو كان الامر
موكولاً الى الناس يختارون من يريدون حسب نظرية الشورى لكانت الخلافة بعد اختيارهم
ـ كما يزعمه الزاعمون ـ حقا له وليس قميصاً لغيره لبسه ابن ابي قحافة غصبا وظلماً.
____________
(1) شرح نهج البلاغة لمحمد عبدة 1
: 34 ( الخطبة الشقشقية ).
( 27 ) 2 ـ وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى. يشبه
الامام عليه السلام الخلافة والامامة بالرحى ونفسه الزكية بقطبها والرحى لا تدور
الاّ على قطبها فهو يرى لنفسه منزلة لا يمكن للخلافة الا ان تدور عليه وتكون بيده
سواء اراد الناس أم ابوا ولو كان الامر موكولاً الى الناس لم يكن لاحد منزلة القطب
في رحى الخلافة وانما القطب لها من اختاره الناس سواء كان صالحاً ام غير صالح اذ لا
حق لاحد خارج نطاق الشورى وانتخاب الناس. والطريف ان الامام عليه السلام يعلن بان
ابابكر يعلم ذلك ومن اين علمه ابوبكر مع انهم كانوا يزعمون ان عليّا شاب لا ترضى
بزعامته مشايخ العرب فلا معنى لهذه الجملة الا الاشارة الى النص الذي كان يعلم به
ابوبكر كما يعلمه سائر الصحابة.
3 ـ وطفقت ارتئي
بين ان اصول بيد جذّاء... هذه العبارة تدل بوضوح على انه عليه السلام لو كانت له يد
قادرة على الحرب واعوان على الصولة على القوم لحاربهم وقاتلهم واخذ منهم الزعامة
بالقوة وانما منعه عن ذلك فقد انصار اقوياء يبذلون النفس في سبيل الحق. وعلى ماذا
يقاتل الامام لو لم يكن له حق مغصوب مسلوب ؟! ولو كان الامر شورى وبانتخاب الناس
فالحق هو ما اختاروه ولم يكن هناك ما يبرر الصولة على القوم والاطاحة بهم فهذه
الجملة صريحة في ان له عليه السلام حقا ثابتا في زعامة المسلمين ليس لاحد ان يغتصبه
سواء تجمعت الامة على احد ام تفرقوا.
وقد تكرر من
الامام عليه السلام القول بهذا المضمون فمنها قوله في الخطبة (5) من نهج البلاغة :
« ايها الناس شقّوا أمواج الفتن بسُفن النجاة ، وعرِّجوا عن
طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المفاخرة ، أفلح من نهض بجناحٍ ، أو استسلم فأراح ،
ماءٌ آجن ، ولقمة يغصّ بها آكلها ، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزَّارع بغير
أرضه ، فإن أقُل يقولوا : حرص على الملك ، وإن أسكت يقولوا : جزع من الموت.
هيهات بعد اللتيا والتي! والله لابن أبي طالب آنس بالموت
من الطفل بثدي اُمّه ، بل اندمجت على مكنون علم لو بُحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية
في الطوي البعيدة ».
قال ابن ابي
الحديد في ذيل الخطبة : « لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله ، واشتغل عليّ
عليه السلام بغسله ودفنه ، وبويع أبو بكر ، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من
المهاجرين بعبّاس وعلي عليه السلام لإجالة الرأي ، وتكلّموا بكلام يقتضي الاستنهاض
والتهييج ، فقال العباس رضي الله عنه : قد سمعنا قولكم فلا لِقلّة نستعين بكم ، ولا
لِظنّةٍ نترك آراءكم ، فأمهلونا نراجع الفكر ، فإن يكن لنا من الاثم مخرج يصرّ بنا
وبهم الحقّ صرير الجُدجد ، ونبسط إلى المجد أكفّاً لا نقبضها أو نبلغ المدى ، وإن
تكن الاُخرى ، فلا لِقلّة في العدد ولا لوَهنٍ في الأيد ، والله لولا أنّ الاسلام
قيّد الفتك ، لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العليّ.